/ara/article/183.htm
اخر تحديث: الثلاثاء, 02 كانون الأول, 2008- 12:00ص -دمشق

النشرة الإقتصادية تقارير>>فصول الأزمة المالية العالمية مستمرة والخسائر متواصلة

09 تشرين الأول , 2008

دمشق-سانا

تستمر فصول الأزمة المالية العالمية وتمتد اثارها وتتسع لتشمل مختلف دول العالم في أوروبا وشرق اسيا والخليج العربي وغيرها هذه الأزمة التي بدأت بالتفاعل بعد انهيار عدد من أكبر المصارف والمؤسسات المالية الأمريكية مدفوعة بأزمة الرهن العقاري التي خيمت على الأقتصاد الأمريكي في الأشهر الماضية اذ تأثرت أسواق المال العالمية بشكل مباشر وخاصة بعد انهيار مصرف "ليمان برذرز" رابع أكبر مصرف في الولايات المتحدة الأمر الذي دفع ستة مصارف مركزية عالمية بينها الاحتياطي الفدرالي الأمريكي إلى ضخ مئات مليارات الدولارات للحؤول دون انهيار أسواق المال.

كما تستمر التقلبات في البورصات العالمية التي سجلت هبوطا حادا في اوروبا واسيا كمؤشر واضح على الأثار والنتائج السلبية لهذه الأزمة التي تعد الأزمة المالية الثالثة في القرن الحادى والعشرين بعد أزمة عام 2001 عندما أقفلت بورصة نيويورك لمدة أسبوع بعد أحداث 11 أيلول ومن ثم أزمة عام 2002 التي حصلت جراء تزوير حسابات شركة الطاقة الأميركية "انرون" وعمليات التزوير التي شهدتها ايضا شركة الاتصالات الأميركية "وورد كوم" التي أثرت سلبا على الأسواق المالية في العالم التي تراجعت بشكل سريع في الدول الاقتصادية المتقدمة اذ شهدت بورصة فرانكفورت انذاك تراجعا بنسبة 9ر43 بالمئة وباريس 33 بالمئة ولندن /8ر24/ بالمئة.

وتعيد هذه الازمة إلى الاذهان الازمات المالية العالمية عبر التاريخ والتي بدأت بالأزمة المالية عام 1720 في بريطانيا التي حدثت اثر مخاوف وتكهنات تسببت بافلاس شركة "بحور الشمال" ومصرف "لو.و" ومن ثم أزمة عام 1882 بعد انهيار مصرف الاتحاد العام وهو مصرف كاثوليكي فرنسي اذ تسبب افلاسه بافلاس الكثير من وكلاء التبادل المالي واهتزت بورصتا ليون وباريس وغرقت فرنسا في أزمة اقتصادية.

وتعد أزمة عام 1929 وانهيار بورصة وول ستريت الأزمة الابرز في التاريخ التي بدأ معها الكساد الكبير في الولايات المتحدة وكذلك أزمة اقتصادية عالمية أثرت على أوروبا بشكل خاص ومن ثم الأزمة الاولى في عصر المعلوماتية عام 1987 اذ خسر مؤشر داو جونز يومها 6ر22 بالمئة في يوم واحد الامر الذي أدى إلى تسجيل عجز تجارى كبير اضافة إلى تراجع مؤشرات البورصات الاخرى نتيجة تداخل الاسواق المالية العالمية لتظهر بعد ذلك أزمة اقتصادية ومالية عام 1988 في روسيا عندما انهار الروبل الروسي وخسر 60 بالمئة من قيمته خلال 11 يوما منها 31ر17 بالمئة في يوم واحد.

كما شهد عام 2000 انتهاء فورة الانترنت وتراجع المخاوف المحيطة بقيمة الاسهم المالية المرتبطة بالانترنت والتقنيات الجديدة اذ سجل مؤشر ناسداك الذي يضم أبرز أسهم الانترنت والتكنولوجيا رقما قياسيا بلغ 504862 نقطة في العاشر من اذار الا أنه عاد وتراجع بنسبة 27 بالمئة خلال الاسبوعين الاولين من شهر نيسان وبنسبة 3ر39 بالمئة على مدى سنة فانعكس هذا الهبوط على كل الاسواق المتصلة بالاقتصاد الجديد.

ويرى الدكتور "الياس نجمة" الاستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق أن الاهمية الكبرى لهذه الأزمة هي على الصعيد الفكري الايديولوجي اذ أن طرحت لاول مرة منذ الحرب العالمية الثانية مسالة هل يتدخل المال العام لانقاذ المال الخاص أم أن على الاسواق عبر الياتها الذاتية أن تصحح نفسها مشيرا إلى أن الانخفاضات التي جرت في أسواق المال جرى مثلها في التسعينيات والثمانينيات لذا يجب عدم المغالاة في التهويل لانه خطير تماما كخطورة الاقلال من أهمية ما يحدث في أسواق المال.

ويؤكد الخبراء أن الأزمة المالية العالمية الحالية ستقود إلى ركود عالمي يتصاحب مع انخفاض الاسعار لان أي أزمة في أسواق المال تكون نتيجتها ركود مصحوب بانخفاض الاسعار وليس ارتفاعها مشيرين إلى أن هذه الأزمة يمكن أن تدخل العالم في ركود تضخمي لافتين إلى أن هذه الملامح غير واضحة بسبب انخفاض أسعار عدد من المواد الاولية منذ ثلاثة أشهر حتى الان مثل النحاس والالمنيوم والحديد والبترول والقمح اذ قاربت الانخفاضات 30 إلى 40 بالمئة.

ويرى الدكتور "نجمة" أن أفضل الطرق والحلول لمواجهة الأزمة المالية العالمية الحالية تتمثل في الاعتماد على الاليات الذاتية وعوامل النمو الداخلية التي ستحميه وتحصنه في وجه الاضطرابات الاقتصادية والمالية.

ويبين الخبراء ان انتهاء أزمة المصارف مع مطلع العام الجاري لم يمنع تفجر الأزمة المالية الحالية اذ كانت اغلبية البنوك تأمل أن يكون الاسوأ قد انتهى بالفعل وأن أزمة الائتمان قد ولت إلى غير رجعة وظنت هذه البنوك أن بيع "بيرستيرنز" و"جي بي مورجان" كان خاتمة الأزمة لكن ما شهده الاسواق هذه المرة أشد وأسوأ اذ تم تأميم اثنين من أكبر شركات الرهونات العقارية في أمريكا وهما "فريدي ماك" و "فاني ماي" كما أفلس بنك "ليمان برذرز" واضطر بنك "ميريل لينش" للقبول بصفقة بيعه لمصلحة "بانك أوف أمريكا" وتم أيضا تأميم شركة التأمين "ايه اي جي" لتهتز جراء ذلك كله الاسواق العالمية.

ويؤكد الخبراء أن هناك عاملين أساسيين وراء عاصفة الائتمان الجديدة الاول يتمثل في سلسلة من الخسائر الاقتصادية الملموسة والناتجة عن عجوزات سداد الرهونات العقارية في الولايات المتحدة أما العامل الثاني فهو العامل النفسي اذ فقد المستثمر الثقة في الاسواق بعد أزمة الرهونات العقارية ولم يعد يصدق جدوى الاليات المالية الحديثة للقرن الحادي والعشرين مثل اليات تحويل القروض وتحويلها إلى سندات مركبة كما فقد أيضا ثقته في قدرته على تقييم الدين بشكل حقيقي وفعال.

ويشير الخبراء إلى الاجراءات التي قامت بها البنوك لمواجهة حالات العجز عن السداد التي بدأت قبل عام ودورها في تفجر الأزمة مجددا الان اذ قامت البنوك بشطب ما يزيد على 500 مليار دولار من الاصول وجمعت رسملة جديدة بقيمة 200 مليار حتى منتصف العام الجاري الا أن الخسائر الائتمانية الجديدة التي ظهرت مؤخرا مع تراجع قيمة الديون أشعلت مخاوف المستثمرين من المؤسسات المالية التي تتحمل أعباء قروض وازدادت المخاوف توهجا بعد افلاس بنك "ليمان" الذي شكل صدمة للمستثمر الذي كان على ثقة من أن الحكومة الأمريكية ستقوم بدعم البنوك الكبرى ومنعها من الافلاس.

ورغم أن شركة "ايه اي جي" ليست مؤسسة مصرفية فانها تواجه مشاكل كثيرة بعد انضمامها خلال العقد الجاري إلى عالم التمويل المركب ولديها اليوم كمية ضخمة من السندات المرتبطة بالرهونات العقارية وكانت قيمة هذه الاصول قد تراجعت بحدة في العام الماضي لتدخل الشركة بذلك في أزمة مالية لم يكن من الممكن حلها قبل تدخل الاحتياطي الفيدرالي الامريكي بضخ سيولة بقيمة 85 مليار دولار.

ويوضح الخبراء سبب عدم مبادرة مجلس الاحتياطي الفيدرالي لانقاذ "ليمان براذرز" كما فعل مع "ايه اي جي" لانه عندما تفجرت الأزمة للمرة الاولى وأوشك بنك "بيرستيرنز" على الافلاس تدخلت الحكومة الأمريكية لانها كانت متأكدة من أن السوق لم يكن متأهبا لمثل هذا الامر فخشيت أن يحدث ذلك هزة حادة في الاسواق أما هذه المرة فرأت الحكومة أن النظام المالي بعد ما تعرض له في الاشهر الاخيرة بات أكثر استعدادا لمواجهة افلاس بنك كبير مثل "ليمان براذرز" لكن الوضع بالنسبة لشركة "ايه اي جي" كان مختلفا تماما فهى من ناحية أكبر من بنك "ليمان براذرز" كما أن سقوطها سيكون مدويا وسيأخذ في طريقه الكثير من المؤسسات والبنوك التي تؤمن على سنداتها لدى الشركة.

ويؤكد الخبراء والمحللون الاقتصاديون أنه لا أحد يعرف على وجه التحديد مصير بقية البنوك في أوروبا ويتفق غالبية المحللين على أن الحكومات سوف تميل إلى مواصلة تقديم الدعم لحماية البنوك والمؤسسات المالية الكبرى بيد أن البنوك الصغيرة والمتوسطة بدأت بالفعل تزاح من السوق اما بالدمج واما بالحيازة لكن مصير بقية البنوك الصغيرة ليس واضحا في الوقت الحاضر.

كما يرى الخبراء ان التكهن صعب بما ستأتي به الايام خاصة مع وجود تأثيرات سلبية تتراكم مع الوقت أبرزها تأثير الأزمة التي تعانيها المصارف الكبرى على الاقتصاد الحقيقي الامر الذي من شأنه ان يفاقم خسائر الائتمان وبالاضافة إلى ذلك فان الأزمة سوف تضطر بنوكا ومؤسسات مالية أخرى إلى بيع أصولها بأثمان بخسة لتتراجع بذلك أسعار الاصول وتتنامى خسائر الائتمان وتتراجع الثقة أكثر فأكثر في الاسواق.

ويمكن القول ان البنوك المركزية لدول الغرب ضخت إلى الاسواق سيولة ضخمة تهدف لتوفير التمويل قصير الامد للبنوك الا أن هذه الخطوة لا يمكن بالطبع أن تكفي لاجتثاث مخاوف المستثمرين مع تنامى الخسائر الائتمانية وتزايد أجواء التشاؤم.

ولذلك يرى بعض الخبراء والمحللين أن الحكومة الأمريكية سوف تقوم بتأميم أجزاء من النظام المالي كما فعلت مع شركة "ايه اي جي" ويرى البعض الاخر أن بامكان الحكومة شراء السندات مصدر القلق لكن هذا بالطبع سيكلف المزيد من المال ولذلك تفضل واشنطن الانتظار لترى ماستسفر عنه العاصفة.

ويعبر الخبراء عن أملهم في مكافحة هذه الأزمة التي تحمل في بعض جوانبها أوجه شبه مع أزمات 1929 و 1970 و 1982 لافتين إلى أن السلطات تأخرت في التحرك لكنها تقوم بذلك الان بسرعة وبشكل جيد وفي الاتجاه الصحيح لافتين إلى أنه بعد حل مشكلة الثقة وعودة الاستقرار الامر المهم والخطير الحساس الذي يجب أن ننتبه اليه هو الانعكاسات على الاقتصاد الحقيقي بسبب المضاربات حول المواد الاساسية مثل النفط والمواد الغذائية.

عدنان أحمد

 إرسل هذا المقال الى صديق
صفحة صالحة للطباعة



International Copyright© 2006-2008, SANA
web by B.O.C