اللاذقية-سانا
تعتبر اللاذقية من المدن التاريخية الهامة الموغلة في القدم التي تعاقبت عليها الحضارات وقدمت للبشرية أول لغة مكتوبة في العالم كما تعرضت هذه المدينة للعديد من الكوارث الطبيعية لكنها بقيت صامدة رغم ذلك و تتحدث أوابدها وصروحها الحضارية والتاريخية الباقية على ذلك التاريخ والحضارة الغابرة التي نقلت إلى العالم انطلاقاً من مينائها الحرير والقمح والأواني والنبيذ إضافة إلى الثقافة واللغة وسحر الشرق وإن تغيرت أسماء المواقع والأمكنة عبر الحقب والأزمنة إلا أن الصروح والآثار ظلت تتحدث عن نفسها متحدية الكوارث وتقلبات الزمن.
ويعد اسم لاوديسيا "اللاذقية" الاسم الذي تداولته الوثائق المكتشفة قديماً وتناولته أقلام الباحثين والكتاب والمهتمين في مجال الآثار منذ زمن بعيد حيث كانت عبارة عن قرية صغيرة يسكنها الصيادون حوالي القرن الرابع عشر قبل الميلاد وعلى أنقاضها بنى سلوقس نيكاتور مدينة اللاذقية حوالي عام 290 قبل الميلاد وأطلق عليها اسم والدته لاوديسيا وقد تحول هذا الاسم عند الفتح العربي الإسلامي عام 637 ميلادية إلى اللاذقية علماً أن أقدم اسم عرفته اللاذقية كان راميتا.
وقد تعرضت هذه المدينة مع العديد من المدن إلى زلازل وغزوات وفتوحات متعددة وكان لذلك أثر واضح على بنائها ومخططها العمراني ومن أهم المعالم الأثرية الباقية ميناء اللاذقية.
وذكر جمال حيدر مدير الآثار باللاذقية أن ميناء اللاذقية يرجع تاريخه إلى عصر راميتا التي عاصرت فترة ازدهار أوغاريت خلال عصر البرونز الحديث مابين 1600-1200 م والميناء عبارة عن حوض ذو حماية طبيعية من أمواج البحر وقد نشط كثيراً وكان يشكل نقطة الاتصال بين اللاذقية ودول البحر المتوسط شرقه وغربه وكانت تنطلق منه السفن محملة بالبضائع التي تشتهر بها المدينة من زيوت وحبوب ومنسوجات وتشير المصادر التاريخية إلى أنه خلال العصور الكلاسيكية كان يصدر منه النبيذ الفاخر إلى موانىء الإسكندرية وقد شهد هذا الميناء خلال القرن العشرين أعمال تطوير هامة شملت توسيع الحوض والأرصفة وإشادة مكاسر الأمواج وخزانات للحبوب ومستودعات للبضائع وبرادات ومبان إدارية وصالة ركاب ورصيف خاص لاستقبال سفن الركاب.
وأضاف أن القوس الكبير في المدينة أيضاً يعتبر من المعالم الأثرية ويعود تاريخ بنائه إلى أواخر القرن الثاني الميلادي بناه الإمبراطور الروماني سبتيموس سفيروس إكراماً لمدينة اللاذقية التي وقفت إلى جانبه في صراعه مع الأباطرة الرومان ويتوسط هذا البناء الضخم الجهة الشرقية من المدينة القديمة عند المنحدر الغربي لهضبة الطابيات.
وقد شيد البناء بالحجارة الرملية أقيم على أربع دعائم حجرية تحمل سطحاً على شكل قبة نصف كروية وتحمل الوجوه الداخلية والخارجية من الأعلى منحوتات نافرة لشارات النصر سيوف وتروس وخوذ ورماح ودروع التي تشير إلى عتاد المحاربين خلال الفترة الرومانية والبناء مربع الشكل 12ضرب 12 متر وارتفاعه 16 متراً وقد شهد مؤخراً عملية ترميم وإظهار نفذتها دائرة آثار اللاذقية وتناولت عزل الأسطحة وتنظيف سطح الحجر والجدران وتكحيل فواصل الحجر لإعادة الحياة لهذا المعلم الأثري.
أما أعمدة باخوس فتقع إلى الشمال من القوس الكبير على بعد 200 م عند الجهة الغربية من منحدر هضبة الطابيات وتعتبر هذه العمارة جزءاً من معبد قديم ينسب إلى باخوس إله الخمر والكرمة عند الرومان واحتل مكانة كبيرة بين الآلهة لدى الرومان وعرف باسم ديونيسوس عند اليونان ولم يبق من الموقع سوى أربعة أعمدة ضخمة من الحجر الرملي ارتفاعها ثمانية أمتار ثلاثة أعمدة منها على نسق واحد و الرابع إلى يسارها بحيث يشكل معها زاوية قائمة تعلو هذه الأعمدة تيجان منحوتة بدقة على الطراز الكورنثي ثم ثلاثة سواقف ضخمة تتوضع فوقها و هي مزينة بأفاريز من الأسفل تعلوها زخرفة على شكل نحت أوراق الكرمة و ثمارها بشكل متناوب وفي الأعلى أفاريز على شكل مربعات و قد شهد هذا الموقع أعمال ترميم و تنظيف لسطح الحجارة وإظهارها.
أما منطقة خان الدخان والتي هي المتحف حالياً فأنها تقع أمام مدخل الميناء التجاري القديم يفصلها عن البحر حديقة قديمة و جميلة تدعى المنشية ويتألف البناء فيها من طابقين يتوسط الطابق الأرضي بناء مكشوف تحيط به عقود رائعة الجمال و في بعض الجهات تشكل الأروقة ثلاثة صفوف من الدعائم وفي القسم الجنوبي من المبنى وتتوزع قاعات واسعة وجميلة كانت تستخدم مستودعات للتبغ قديماً.
ويعود تاريخ بناء الخان إلى أواخر القرن السابع عشر وقد رمم وحول إلى متحف اللاذقية عام 1986.
ومن الخانات الأثرية خان الحنطة الذي يقع في حي العوينة و سمي بخان الحنطة لأنه كان يحتوي على أماكن لحفظ القمح و سمي أيضاً بالخان الجديد لأنه يقع بالقرب من الجامع الجديد و بني الخان عام 1139 هجرية 1726 ميلادية على يد سليمان باشا العظم ويتألف من طابقين أرضي عبارة عن ساحة سماوية واواوين داخلها غرف ويحتوي على بايكة كبيرة وبئر ماء وأروقة ودرجين حجريين يصعد منهما إلى الطابق العلوي الذي يحتوي على ست غرف يستخدم حالياً كمحلات تجارية وأسواق.
وتبقى هذه المعالم الأثرية شاهداً حياً على أصالة وتطور العمارة السورية قبل حوالي ألفي عام خلت وعلى الحقبات التاريخية والحضارية ومراحل الازدهار التي مرت بها المدينة.
إعداد: سلوى سليمان